أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
4
نثر الدر في المحاضرات
اللهم كما فعل ذلك فافعل به ما هو أهله ، وأوله ما يستحقّه ، واحفظه في سنّته ، بحفظها على أمته ، واخلفه فيها وفيهم بالإظهار والإدامة ، كما وعدته إلى يوم القيامة ، واجزه عن عبادك جزاء من أنقذهم من النار ، وأنجاهم وهم على شفا جرف هار . اللهم أنت الجواد الواحد ، لا تعدم فتبخل ، والحليم القادر لا تفات فتعجل ، عليك التّكلان ، وأنت المستعان ، وبك التوفيق والعصمة ، ومنك الحول والقوة ، وفضلك المرجوّ ، وعدلك المخوف . اللهم فلا تتجاوز بذنوبنا الفضل إلى العدل ، وبأعمالنا العفو إلى الجزاء ، واغفر لنا بإحسانك الذي وسع جميع الخلائق ، ولا تكلنا إلى ما نستحقّه بأعمالنا فإنا لا نصبر على الحق ، إليك المشتكى من أنفسنا الأمارة بالسوء ، المتابعة لكلّ عدوّ ، من هوى يردي ، وشيطان يغوي ، وأمل يضرّ ، وعمل يغرّ ، وزخارف دنيا أولها غرور ، وآخرها هباء منثور . فأعنّا على أنفسنا بعصمتك ، وأعذنا من كيد الشيطان برحمتك ، واجعل قولنا وفعلنا سددا ، وهيّئ لنا من أمرنا رشدا ، ويسّرنا لليسرى ، واختم لنا بالحسنى ، فلا قنوط من رحمتك ، ولا يأس من روحك ، إنّه لا ييأس من روح اللّه إلّا القوم الكافرون . هذا هو الفصل الثاني من كتاب نثر الدرّ ، وكنا وعدنا أن نخلط الجدّ بالهزل ، والجيد بالرّذل ، والحكم بالملح ، والمواعظ بالمضاحك ؛ ليكون ذلك استراحة للقارئ ، تنفي عنه الملل والسآمة ، وتشحذ الطبع والقريحة ، وتروّح القلب ، وتشرح الصدر ، وتنشر الخاطر ، وتذكي الفهم ، فإن القلب إذا أكره عمي ، والخاطر إذا ملّ كلّ ، وقد قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ هذا الدّين متين فأوغلوا فيه برفق » . وقال عليه السلام : « بعثت بالحنيفيّة السّهلة » . وقال علي : لا بأس بالفكاهة يخرج بها الرجل من حدّ العبوس . وكان ابن عباس إذا أكثر عليه من مسائل القرآن والحديث يقول : « أحمضوا » « 1 » يريد : خذوا في الشعر وأخبار
--> ( 1 ) حمضت الماشية حمضا : رعت الحمض ، فهي حامضة ، وأحمض القوم : أفاضوا فيما يؤنسهم من الحديث والكلام .